ابن كثير
225
البداية والنهاية
إلى الله أشكو بخلها وسماحتي * لها عسل مني وتبذل علقما فردي مصاب القلب أنت قتلته * ولا تتركيه هائم القلب مغرما ( 1 ) قال : فسمعت ما لا صبر لي عنه ورجوت أن تعيده فقامت وانصرفت ، فنزلت وانطلقت وراءها وسألتها أن تعيده فقالت : إن علي خراجا كل يوم درهمين ، فأعطيتها درهمين فأعادته فحفظته وسلكته يومي ذلك ، فلما أصبحت أنسيته فأقبلت السوداء فسألتها أن تعيده فلم تفعل إلا بدرهمين ، ثم قالت : كأنك تستكثر أربعة دراهم ، كأني بك وقد أخذت عليه أربعة آلاف دينار . قال فغنيته ليلة للرشيد فأعطاني ألف دينار ، ثم استعادنيه ثلاث مرات أخرى وأعطاني ثلاثة آلاف دينار ، فتبسمت فقال : مم تبسمت ؟ فذكرت له القصة فضحك وألقى إلي كيسا آخر فيه ألف دينار . وقال : لا أكذب السوداء . وحكى عنه أيضا قال : أصبحت يوما بالمدينة وليس معي إلا ثلاثة دراهم ، فإذا جارية على رقبتها جرة تريد الركي ( 2 ) وهي تسعى وتترنم بصوت شجي : شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا * فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا وذاك لان النوم يغشى عيونهم * سريعا ولا يغشى ( 3 ) لنا النوم أعينا إذا ما دنا الليل المضر بذي الهوى * جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا فلو أنهم كانوا يلاقون مثلما * نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا قال : فاستعدته منها وأعطيتها الدراهم الثلاثة فقالت : لتأخذن بدلها ألف دينار ، وألف دينار وألف دينار . فأعطاني الرشيد ثلاثة آلاف دينار في ليلة على ذلك الصوت . وفيها توفي : بكر بن النطاح أبو وائل الحنفي البصري الشاعر المشهور ، نزل بغداد زمن الرشيد ، وكان يخالط أبا العتاهية . قال أبو عفان : أشعر أهل العدل من المحدثين أربعة ، أولهم بكر بن النطاح . وقال المبرد : سمعت الحسن بن رجاء يقول اجتمع جماعة من الشعراء ومعهم بكر بن النطاح يتناشدون ، فلما فرغوا من طوالهم أنشد بكر بن النطاح لنفسه : ما ضرها لو كتبت بالرضى * فجف جفن العين أو أغمضا شفاعة مردودة عندها * في عاشق يود لو قد قضى يا نفس صبرا واعلمي أنما * يأمل منها مثلما قد مضى
--> ( 1 ) ويروى : ولا تبعدي فيما تجشمت كلثما . ( 2 ) الركي : جنس للركية وهي البئر . ( 3 ) في الأغاني 6 / 311 : سراعا وما يغشى .